يشكل الإرث الفكري لعبد الوهاب المسيري (1938-2008) واحدًا من أكثر المحاولات صرامة وتعقيدًا في الفكر العربي الإسلامي المعاصر لتجاوز أزمة الحداثة. تعد أعمال المسيري خروجًا جذريًا على الرفض المبدئي للمدارس التقليدية الإسلامية والتقليد غير النقدي للنماذج العلمانية الغربية. تضمنت رحلته عبورًا من الالتزام الأولي بالماركسية إلى نموذج إسلامي إنساني متقن، طور خلاله إطارًا معرفيًا يلقي الضوء على الجانب المظلم من الحضارة الغربية الحديثة، لا بوصفها حادثًا ثقافيًا خارجيًا بل بوصفها نتيجة بنيوية لما أسماه “العلمانية الشاملة”.
يصف المسيري رحلته الفكرية من خلال استعارته الخاصة التي أسمى بها سيرته غير الذاتية وغير الموضوعية “البذور والجذور والثمار”، وهي سرد هيكلي يرفض السيرة الخطية لصالح فهم حلزوني لتطور الإنسان. بدأ مسيرته من دمنهور في الدلتا المصرية إلى قاعات جامعتي كولومبيا وروتجرز، منتهيًا إلى قيادة حركة “كفاية” في سعي لا يكل نحو رؤية شاملة يمكنها تفسير الواقع المادي والفجوة البشرية الميتافيزيقية.
رحلة التحول المعرفي: من المادية الصلبة إلى الإنسانية الإسلامية
ولد المسيري في أكتوبر 1938 في دمنهور، ونشأ في عائلة ريفية ركزت على الاعتماد على الذات. تميزت طفولته المبكرة بالحضور الواسع للاستعمار البريطاني، وهي تجربة شكلت وعيًا مبكرًا مناهضًا للاستعمار. كان أول لقاءاته مع الحداثة من خلال المعمار؛ إذ كانت الأبنية الحديثة في دمنهور على ابتعاد صارخ مع المشهد المحلي التقليدي، وهي ثنائية بصرية أثرت فيه لاحقًا في تحليله للإمبريالية المعرفية. خلال دراسته الثانوية في الخمسينيات، تبنى المسيري الماركسية وانضم إلى الحزب الشيوعي المصري المحظور، متبنيًا رؤية كونية قدمت تفسيرًا علميًا للظلم الاجتماعي، حيث كان يرى القوانين الفيزيائية مرجعًا نهائيًا للسلوك البشري. وقد ميز هذا المنزع نحو “وحدة الوجود المادية” حياته الأكاديمية المبكرة التي تكللت بتخرجه في الأدب الإنجليزي عام 1959.

كان الانتقال إلى الولايات المتحدة عام 1961 للدراسات العليا نقطة الانطلاق الحاسمة لتحوله النماذجي. عاش في نيويورك وشهد التحولات الجوهرية في الحداثة المتأخرة: صعود الإنسان ذي البعد الواحد، وتسليع الثقافة. ومن خلال بحثه في الدكتوراة حول الشعر الرومانسي الإنجليزي (تحديدًا ويليام ووردزورث)، لاحظ أن التمرد ضد التصنيع (اللودية) كان محاولة فاشلة للحفاظ على قدسية الإنسان ضمن إطار مادي ألغى الغيبيات. دفعه هذا لاستنتاج مبكر عام 1963 بأن البشر كائنات فريدة لا يمكن تفسيرها بحسابات مادية.
عمقت هزيمة 1967 (النكسة) هذا التحول، ودفعت المسيري لتحويل تركيزه من الأدب الغربي إلى دراسة منهجية للصهيونية التي أدرك أنها جزء لا يتجزأ من المشروع الإمبريالي الغربي، مما أدى لتعيينه لاحقًا رئيسًا لقسم دراسات الصهيونية في مركز الأهرام للدراسات بتوصية من محمد حسنين هيكل. بالتزامن مع ذلك، قدمت ولادة ابنته “نور” صدمة فينومينولوجية لرؤيته المادية؛ فأمام معجزة الوعي في مولود جديد، اكتشف ما أسماه بـ “الثغرة الإنسانية”، وهي مساحة الغموض والقداسة التي تعجز المادية عن تفسيرها، ليعود إلى النموذج الإسلامي برؤية شاملة تجمع بين العقل والحدس والوحي.
النماذج التحليلية ومشروع التحيز وتفكيك العلمانية
تكمن المساهمة الرئيسة للمسيري في الانتقال من “مراكمة الحقائق” إلى “التفسير البنيوي”. صاغ نظريته حول “النماذج التحليلية”، موضحًا أن الإنسان يدرك الواقع عبر وسيط (نموذج إدراكي) يعزل التفاصيل لينكشف النموذج الكامن. من هنا أسس لمشروع “التحيز”، داعيًا الباحثين للتحرر من النماذج الغربية التي تشكل رؤيتهم للكون (Worldview)، وبناء نماذج مستقلة تعكس القيم الإسلامية.
وفي هذا الإطار، قدم تمييزه الحاسم حول العلمانية:
- العلمانية الجزئية: فصل الدين عن الدولة بيروقراطيًا، وهو ما قد لا يعادي الإسلام طالما لم ينكر المطلق الأخلاقي في المجال الخاص.
- العلمانية الشاملة: رؤية مادية تسعى لفصل الدين عن كافة مجالات الحياة (الأسرة، الأخلاق، الجماليات)، مما يؤدي لتصفية الإنسان.
دافع المسيري بشراسة عن “الثغرة الإنسانية” في مواجهة العلمانية الشاملة التي تخلق “الإنسان الوظيفي” (الذي يُختزل في وظائف بيولوجية واقتصادية). مؤكدًا أن التعقيد الإنساني والأسرار هما مصدر كرامتنا والعقبة أمام الشمولية المادية.
تفكيك الصهيونية ومقاومة الحداثة السائلة: من التنظير إلى الميدان
في موسوعته الضخمة “اليهود واليهودية والصهيونية” (1999)، طبّق المسيري نظريته عمليًا. فقد رفض التفسيرات الدينية أو العرقية للصراع، وقدم مفهوم “الجماعة الوظيفية”. جادل بأن المجتمعات تستورد أحيانًا مجموعات لأداء وظائف تأنف الأغلبية منها. والصهيونية -بهذا المعنى- مشروع وظيفي حداثي وظفت فيه الإمبريالية الغربية جزءًا من اليهود كقاعدة استيطانية. بهذا التفكيك، نقل النقاش من اللاهوت القديم إلى علم الاجتماع السياسي الحديث.

ولم يتوقف نقده للإمبريالية عند هذا الحد، بل امتد لتشخيص أزمة الغرب في انتقالها من “المادية الصلبة” إلى “المادية السائلة” (مستلهمًا زيجمونت باومان). فمع تقدم العلمانية الشاملة، أصبح كل شيء سائلًا وتذوب الهويات في تدفق بلا هدف. وهنا يجادل المسيري بأن النموذج الإسلامي يمثل حلاً إنسانيًا عالميًا يحمي الإنسان من الذوبان، وذلك من خلال الحفاظ على التمييز بين الخالق والمخلوق (التوحيد)، مانحًا إيانا القدرة الحضارية على قول “لا” لاختزال الإنسان وتشييئه.
ولتأكيد هذه القدرة على “الرفض”، انتقل المسيري ببراعة من التنظير إلى الميدان. فقد امتدت بيبليوغرافيته لأكثر من 50 كتابًا، شملت أدب الأطفال لحماية مخيلة الأجيال القادمة من الاختزالية الاستهلاكية. ولم تقتصر حياته على الأكاديمية (حيث درّس في جامعات عين شمس، والملك سعود، والكويت)، بل نزل إلى الشارع عام 2007 كمنسق عام لحركة “كفاية”، مقودًا الاحتجاجات ضد نظام مبارك، ليترجم مقاومته الفكرية للإستبداد إلى فعل سياسي مباشر.
المسيري في “مدارك”: البناء الحضاري وما بعد الطوفان
يعد إرث المسيري ركيزة أساسية لبيان تحرير مركز “مدارك” ومساراته، ويظهر ذلك في تقاطعات حيوية:
- السيادة الفكرية والاستقلال الإبستمولوجي: نقده للإمبريالية المعرفية هو دعوة لإنهاء استعمار العقل العربي وفتح باب الاجتهاد لبناء حداثة إسلامية أصيلة تتواصل مع الغرب بندية لا بتقليد.
- كرامة الإنسان في مواجهة الدولة الوظيفية: تأكيد مانيفستو المركز على الكرامة يجد صداه في رفض المسيري لتحويل المواطنين إلى مادة بشرية تُدار بعقلية شريعة الغاب، داعيًا لاستعادة الثغرة الإنسانية.
- الحوكمة والمقاومة: تشخيصه للأنظمة العربية كـ “دول وظيفية” تخدم مصالح خارجية يوفر أداة دقيقة لفهم الإخفاقات الحالية. وقد كان دعمه للانتفاضة ولحركة كفاية تأكيدًا على الفعالية البشرية ضد تحويل الناس إلى أشياء.
- بناء حداثة بديلة بلا اغتراب: يقترح المسيري تقدمًا علميًا توجهه بوصلة أخلاقية متسامية، متجنبًا مخاطر العلمانية الشاملة، ليقدم طريقًا يوفق بين الإدارة المادية والمعنى الروحي.
وعلى الرغم من توترات مشروعه مع المدارس النصوصية التي رأت فيه أحيانًا “أسلمة للماركسية”، يظل المسيري نقطة تحول فكري تسافر عبر الزمان. لقد كانت حياته شهادة على الإيمان بأن “القديم لا يموت تمامًا”، وأن السعي وراء الكرامة معجزة لا تفسرها المادية. بالنسبة لنا في “مدارك”، ليس المسيري مجرد مفكر يُدرس، بل منهجية يجب تطبيقها في النضال المستمر نحو عالم تتمحور فيه البشرية مرة أخرى حول الإلهي.

يكمن جوهر مساهمة المسيري في تشخيص الانتقال من المادية الصلبة إلى المادية السائلة -النموذج المستفاد من عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان. في المراحل الأولى من الحداثة، كانت القيم والهياكل لا تزال صلبة (قيم التنوير، الدولة القومية). ومع تقدم العلمانية الشاملة، أصبح كل شيء سائلًا، الأخلاق والهويات وحتى مفهوم الإنسان نفسه يذوب في تدفق بلا هدف.
يجادل المسيري بأن النموذج الإسلامي ليس مطروحًا للمسلمين فقط؛ بل هو حل إنساني عالمي يحمي الإنسان من أن يتم امتصاصه من الطبيعة أو الدولة من خلال الحفاظ على التمييز بين الخالق والمخلوق (التوحيد). هذه السيادة الفكرية هي الغاية الكبرى من التحرر والانعتاق -القدرة على الوقوف عند مفترق طرق ثقافي بين عاصمة المستعمر ومستعمراته في قارات أخرى. القدرة على أن نقول “لا” أو “كفاية” لاختزال الإنسان في كائن وظيفي.
يظل عمل المسيري نقطة تحول سياسي وفكري تستمر في السفر عبر الزمان والمكان. كانت حياته شهادة على الإمان بأن “القديم لا يموت تمامًا” وأن السعي وراء كرامة الإنسان هو معجزة لا يمكن للمادية تفسيرها بالكامل. وبالنسبة لنا في مدارك، المسيري ليس مجرد مفكر يستحق الدراسة؛ بل هو منهجية يجب تطبيقها في النضال المستمر من أجل عالم تتمحور فيه البشرية مرة أخرى حول الإلهي.


