لتحميل الورقة بصيغة pdf: اضغط هنا
على مدار 19 شهرًا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 يتردد صدى الجدل حول جدوى عملية طوفان الأقصى من الناحية الاستراتيجية، وعن موقع الإجابات عليه من القضية الفلسطينية، وتنقسم العديد من الآراء عربيًا بين تبني الموقف الكامل لسردية المقاومة، حتى تلك الأقوال التي جاءت في أول الحرب على لسان القائد العسكري لكتائب القسام محمد الضيف بأنها “حرب تحرير”، وآخرين يتخذون موقفًا سلبيًا تمامًا منها باعتبارها خرق في مسار الصراع العربي الإسرائيلي، وأنها كلفت المجتمع الغزي ما لم يحتمل، وأنها لم تراع الحاضنة الشعبية ولا المجتمع في غزة، إلا أن هذا الموقف لم يُتخذ بصفة عامة إلا بعد طول أمد الحرب واستمرار الإبادة الإسرائيلية.
أما على سبيل القراءات غير الانفعالية وغير المؤدلجة، فيتخذ الحدث بعدًا آخر ربما لاستشراف المستقبل وتكشف الواقع الذي صنعه الطوفان، وتارة أخرى في الحديث عما أحدثه الطوفان في بنى الاحتلال والنظام الإقليمي والعالمي، وهي قراءات تنبري عن تبصر في بعض المستويات، إلا أنها تغفل في بعض الجوانب عن تسمية الأمور بمسمياتها، ورد النتائج لأسبابها. ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال الذي لا نعتقد أنه سيقدم الجديد إلا فيما يتعلق بترسيخ البدهيات، لأنها قد تغيب في مستويات التحليل.
والمقال مقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول استجلاء المسألة الفلسطينية وطبيعة الفاعل “حماس”، والقسم الثاني قراءة في الأمن القومي الإسرائيلي، وعقيدتهم القتالية، والانقسام الداخلي، أما القسم الثالث فنقرأ أثر الطوفان على المسألة الفلسطينية وعلى جدار الاحتلال الإسرائيلي. ونحن إذ نحاجج أن المكاسب التي حققها الطوفان جميعها كانت على مستوى استراتيجي إذ أدى لعمل فجوات في جدار الاحتلال، إلا أن هذه المكاسب لا تنفي الخسارة الآنية على مستوى الحاضنة الشعبية.
القسم الأول: الجانب الفلسطيني
أولًا: في القضية الفلسطينية
إن القضية الفلسطينية هي مسألة تحرر وطني للشعب الفلسطيني بالأساس، أمام قوى احتلال استيطاني إحلالي، إذ يقوم جوهر المشروع الإسرائيلي الصهيوني على استيطان اليهود وإحلالهم مكان السكان الأصليين من خلال سلطة النفي[1] الثلاث (الإبادة/القتل، التهجير القسري، السجن بمستواه المادي والمراقبة والحوكمة كما في الضفة أو الحصار في غزة).
وإن تصور المطلب السياسي وهو الذي يتبلور في المستويات الاستراتيجية للكفاح المسلح أو النضال السياسي، في عدة قضايا تعبر عن وجود المسألة الفلسطينية:
أولًا: أن للشعب الفلسطيني حق لا يقبل المساومة في الاستقلال وجلاء المحتل عن أرضه، ومدار ذلك العمل على المطالب التي تقاوم سلطة النفي وتنفي علة وجودها؛ وهي؛ حق العودة للاجئين ومواطني الشتات[2]، وتعويضهم عن تلك السنين التي نفوا منها من أرضهم وانتزعت منهم ممتلكاتهم، وقد قيل إن القضية الفلسطينية جوهرها قضية اللاجئين.
ثانيًا: تأتي قضية الأسرى، فهي قضية أحد مرتكزات الكفاح المسلح[3]، والسياسي للحركة الأسيرة، باعتبار حريتهم والنضال من أجل استقلالهم هو حق عادل لمن واجه آلة النفي والإحلال التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي ضدهم، وهي جزء لا يتجزأ من القضية الفلسطينية. فهناك ما يقرب من مليون أسير فلسطيني منذ عام 1948 وحتى 2020[4].
ثالثًا: تأتي قضية الحصار والمراقبة والحوكمة، أن الشعب الفلسطيني له الحق في العيش حياة كريمة من دون أي تحكمات، أو هندسة اجتماعية، أو تكنولوجية، أو اقتصادية، أو سياسية تفرض عليه العيش تحت سلطة الاحتلال، باعتباره جزء من مجال النفاذ والتحكم والسيطرة من قبل الاحتلال، كونه مستباح أو منبوذ أمام تلك السلطة، وجزء من ممتلكاتها التي تتصرف فيه كيفما تشاء. يبرز ذلك بشكل جلي في مطلب وقف الاستيطان في الضفة، ومنها تتفرع مسائل أدنى منها كحرية الحركة والتنقل، وحرية الحصول على الخدمات والسلع، وحرية التفاعل مع العالم الخارجي دون وسيط..الخ
رابعًا: الحق في الحياة وبالتعبير الشرعي حفظ النفس، ويضادها الإبادة أو القتل الفردي كالاغتيال والاستهداف، كما يحدث على مدار 75 عامًا، إذ قدم الفلسطينيين أكثر من 100 ألف شهيد منذ 1948 وحتى [5]2020، ويضاف لهم أكثر من 52.2 ألف شهيد على الأقل في حرب الإبادة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
خامسًا: رمز السيادة، وفي حالتنا هذه هو الأقصى، فتحرير القدس والأقصى يعتبر بوصلة للقضية الفلسطينية ودالة عليها، ليس لكونها وقفًا للمسلمين فحسب، بل لكونها هوية تمثيلية لمسألة السيادة المطلقة على كامل ما تعنيه كلمة الهوية الفلسطينية، إذ كانت وما زالت مسألة النضال المقدسي على عربية القدس توحد الكتل الفلسطينية الأربع (فلسطيني الشتات، وغزة، والضفة، والداخل).
سنجد أن النضال الفلسطيني على مدار العقود الثمانية الماضية قام بأعباء كثيرة لتمثيل كل ملف من هذه، ودمجها سواء في استراتجيات الكفاح المسلح، ومحاولة بلورتها في المستوى السياسي، وقدم نماذج عديدة في التنظيم والمتابعة والنضال من أجل كل ملف، بدءً من النضال المسلح الذي انطلق من الشتات والذي هزم آخر المطاف في بيروت 1982، تموضعت حماس كحركة مقاومة في تيار الكفاح المسلح بعد هزيمة بيروت وفي الانتفاضة الأولى أصبحت اللاعب الأبرز فيه واستمرت حتى طوفان الأقصى.
ثانيًا: ثالوث حماس
يمكن اعتبار أن حركة حماس لها ثلاث طبائع مختلفة (طبيعة كحركة مقاومة، وكحركة تحرر وطني، وكنظام حكم). تفرض كل طبيعة حزمة من الاستحقاقات والواجبات عليها، من خلال استعراض هذه الطبائع يمكن أن يتغير الحكم على خيار 7 أكتوبر/تشرين الأول من زاوية النظر لطبيعة الحركة، ومع تغير زاوية النظر لحماس يختلف تقييم خيار المواجهة “الاستشهادية” في عملية طوفان الأقصى.
، هذه الطبائع الثلاث تخفي ما بينها تناقضات، بل داخل الطبيعة الواحدة بين ما هو مطلوب وما هو كائن، وهو ما لا يعفي الحركة من سؤال النقد، ومساءلة خيار المواجهة في الطوفان.
أولًا: طبيعة حماس كحركة مقاومة
يشير الباحث محمود هدهود إلى أن حركة حماس عندما تبنت اسم “المقاومة الإسلامية”[6] عكس ضمنيًا تصورًا بأن التحرير الكامل لفلسطين يتطلب قوة دولة إسلامية قادرة، وأن دور الحركة هو الحفاظ على جذوة الجهاد تمهيدًا لهذا التحرير القادم. ذلك بعد سلام مصر المنفرد ومبادرة السلام العربية، إذ حمل مفهوم المقاومة في اللاوعي الجمعي فكرتين: التخلي العربي عن دور التحرير، وأن المقاومة هي خط مواجهة مؤقت حتى حضور “جيوش التحرير العربية”.
وهو ما نتفق معه جزئيًا، إذ تآكل منطق المقاومة (التحرير المؤجل) عند حماس بعد الانتفاضة الثانية، وبلغ ذروته في وثيقة 2017 التي تخلت فيها حماس عن بعض مسلماتها كاعتبار “القدس” وقفًا للمسلمين، بل ظهرت وقتها مرونة كبيرة كونها حركة تحرر وطني، بل وحتى أنها قد تقبل بحدود 67 مرحليًا كخيار سياسي، يمكنها من استخدامها كسقف سياسي يمكن التفاوض عليه. وهو ما يعني بصورة مباشرة حاجتها لأن تقوم بأعباء التحرير ومنها التخلي أيضًا عن منطق الدولة.
ثانيًا: حماس كحركة تحرر وطني
هناك ملمح للتفارق بين الثورة الفلسطينية “النضال المسلح” في ستينات القرن الماضي من الفدائيين الفلسطينيين إذ غلب استخدام مصطلحي “الثورة” و”التحرير” بتصور إمكانية تحقيق التحرير بقوة محلية على غرار فيتنام والجزائر[7]، أي أن منظمة التحرير والطيف الواسع المنضوية تحته عدد من الفصائل الفلسطينية؛ فتح إلى الجبهة الشعبية وغيرها من حركات التحرير، كانت تنظر لنفسها بأن مقاومتها قادرة على تحرير التراب الفلسطيني من دون وجود دولة تحرير خارجية.
تعتمد حركة التحرير في شرعيتها على عدة ركائز:
- الشرعية القائمة على الحق في تقرير المصير: تستمد حركات التحرر الوطني شرعيتها من تمثيلها لإرادة شعب يسعى إلى ممارسة سيادته على أرضه ومواردها وعلى تقرير مصيره، وإنهاء الاحتلال أو الاستعمار أو أي شكل آخر من أشكال الهيمنة الخارجية.
- أهليتها بإمكانية تحرير الأرض وإجلاء المحتل: ترى حركات التحرر الوطني جوهر وجودها وشرعيتها في قدرتها الفعلية على تحقيق هدفها الأسمى: تحرير الأرض من براثن الاحتلال وإجلاء المحتل الغاصب باعتمادها على مواردها الذاتية وقواها الداخلية، دون الحاجة لجيوش تحرير خارجية. هذا الإنجاز الملموس ليس مجرد غاية سياسية، بل هو اختبار حقيقي لفاعلية الحركة وقدرتها على حشد وتوجيه طاقات الشعب نحو هدف مشترك، مؤكدة بذلك أنها قائمة بذاتها وقادرة على إنجاز مهمتها التاريخية. إن تحقيق التحرير يمثل تتويجًا لنضالات طويلة وتضحيات جسيمة، ويكسب الحركة مصداقية راسخة في نظر أفرادها والمجتمع الدولي، مؤكدًا على أهليتها كقوة فاعلة قادرة على تغيير الواقع وصنع المستقبل.
- الشرعية التمثيلية (Representative Legitimacy): تعتمد شرعية حركة التحرر على مدى تمثيلها لتطلعات وآمال غالبية السكان الذين تسعى إلى تحريرهم. يمكن أن يتجلى هذا التمثيل من خلال الدعم الشعبي الواسع، أو من خلال هياكل قيادية تشمل مختلف فئات المجتمع.
- الشرعية القائمة على الأهداف :(Legitimacy of Goals) تستمد الحركة شرعيتها من عدالة أهدافها، مثل التحرر من الظلم والقمع، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء دولة مستقلة ذات سيادة. عندما ينظر شعبها إلى أهداف الحركة على أنها عادلة وتحقق تطلعاتهم، فإن ذلك يعزز شرعيتها.
- الشرعية القائمة على الأداء :(Performance Legitimacy) حتى في غياب سلطة الدولة، يمكن لحركات التحرر أن تكسب شرعية من خلال قدرتها على توفير الخدمات الأساسية في مناطق نفوذها، أو من خلال فعاليتها في مقاومة الاحتلال وحماية السكان، أو من خلال الحفاظ على الانضباط والمساءلة داخل صفوفها.
- الشرعية التاريخية والثقافية: غالبًا ما تستند حركات التحرر إلى سردية تاريخية وثقافية مشتركة تربط السكان وتبرر النضال من أجل التحرر. يمكن أن تشمل هذه السردية ذكريات مشتركة عن المقاومة، أو رموزًا ثقافية موحدة، أو إرثًا تاريخيًا من الاستقلال والسيادة.
وتلعب الحاضنة الشعبية في شرعية حركات التحرر دورًا فيما يعرف بشرعية الاستمرار:
تمنح حاضنة حركة التحرير الشرعية من خلال روافد أساسية[8] :
- القوة البشرية والموارد: المتطوعون، الدعم المالي، المعلومات، والملاذ الآمن.
- الغطاء السياسي: الدعم الشعبي يمنح الحركة مصداقية وقوة تفاوضية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
- القدرة على الصمود: الدعم الشعبي يعزز قدرة الحركة على تحمل الضغوط والتحديات والصعاب في مسيرة التحرر.
وعلى حركة التحرر استحقاقات ضمنية[9]، تعتبر كعقد اجتماعي بين حركة التحرر وشعبها، وإذا جرى الإخلال به فإن شرعية حركة التحرر قد تتآكل شرعيتها على حسب مستوى الإخلال، ومن أبرز هذه الاستحقاقات في الحالة الفلسطينية:
- ما سبق الحديث عنه في خماسية المسألة الفلسطينية، وقدرة حركة التحرير في الإجابة عبر فعلها في كل مسألة منها، أي أنها ماذا صنعت في ملف العودة؟ وفي ملف الأسرى؟ وما تصنع في ملف الحوكمة والسيطرة ورد العدوان؟ وماذا تفعل حيال الأقصى؟..الخ.
- الحفاظ على النقطة الحرجة للمورد البشري، أي أنها لا تذهب بالصراع لمداه ما يؤدي إلى تصفية هذا المورد، وبعدها يستحيل فعل التحرير النضالي، فلا مقاومة من دون شعب على أرضه، فلو قلنا أنها أضرت بالوجود السكاني تمامًا؛ أي أدت المواجهة إلى تصفيته فإنه من الطبيعي ألا يكون هناك حركة تحرر وبالتالي لا يوجد حاضنة شعبية، وكذا على مستوى الدعم المادي..الخ.
- قدرتها على بلورة محددات سياسية وتمثيل سياسي مقبول يضمن فاعلية حقيقية لتوظيف العمل المسلح، وهو ما يقتضي صياغة هدف سياسي قابل للتحقيق والتفاوض عليه وإن كلف التنازل عن بعض الأمور لتحصيل مصلحة أكبر، أو دفع مفسدة عظيمة. (على سبيل المثال الإعلان الأحادي 2005 حيال غزة دفع مفسدة أكبر وهو بقاء الاحتلال مما مكن المقاومة من مراكمة بعض القوة، ولم يأت هذا إلا بسواعد المقاومين على مدار عشرين عامًا سبقته، وبإطار سياسي تمثل في اتفاق غزة أريحا).
- توفير الحد الأدنى من إمكانية الصمود في لحظات المواجهة الشاملة، يأتي ذلك من خلال مسارات كالاقتصاد المقاوم، الحضور الشعبي والثقافي لرفع مستوى الاستعداد للمقاومة، بل وتفكيك الخطاب الاستعماري[10]، وكذا تدعيم الإيمان العميق بعدالة القضية وما يستتبعه من قبول البذل والتضحية.
- قدرتها على انتاج الرموز[11]، والرموز هنا التي تلتف حولها غالبية الحاضنة، والرمز له دور مزدوج هنا في تبرير الفعل العسكري وتعبئة الجماهير إليه، أو في أخذ الخطوة السياسية الممكنة أو انتهاز فرصة ما[12]، يجب أن ينظر لهذه القيادة باعتبارها راشدة تحقق المصلحة الكلية للشعب، إن غياب الرمز تمامًا أو فقد الثقة فيه يخل بشكل كبير بالتعاقد الضمني بين حركة التحرير والحاضنة الشعبية.
ثالثًا: حماس كونها نظام يدير دولة/شبه دولة
باعتبار أن الشعب الفلسطيني في غزة هو مجتمع لدولة، أو شعب لدولة، ومن المهم هنا الاستعانة بمفهوم ماكس فيبر حول الشرعية، باعتبارها احتكار العنف الشرعي، وهو ما حققته حماس طوال ادرتها للقطاع منذ 2006 حتى 2023، إذ أقصت الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية في مرحلة الحسم، ونفذت عمليات محدودة لإخضاع التيارات الجهادية المتمردة، كاقتحامها مسجد ابن تيمية.
تستند شرعية أي نظام سياسي إلى اعتقاد المحكومين بحق الحاكم في الحكم وإلزامهم بطاعته، وأنها تحتكر العنف “الشرعي”. كما أن عليها استحقاقات وواجبات تجاه شعبها، تمنحها الشرعية كنظام حاكم:
- شرعية الأداء (Performance Legitimacy) تستمد من قدرة النظام على تلبية احتياجات وتوقعات المجتمع، مثل توفير الأمن، والخدمات العامة، والتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية. ومن شرعية الأداء: (حماية الأرض والدفاع، التنمية الاقتصادية ورفاه المجتمع، توفير الخدمات الأساسية).
- الشرعية الإجرائية (Procedural Legitimacy) ترتبط بالعمليات والإجراءات التي يتم من خلالها الوصول إلى السلطة وممارستها، مثل الانتخابات الحرة والنزيهة، والمشاركة السياسية، وسيادة القانون.
ضمان حكم القانون والعدالة: تطبيق القانون بشكل عادل على الجميع وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
تعزيز المشاركة السياسية والمجتمعية: إتاحة الفرص للمجتمع المدني والأفراد للمشاركة في صنع القرارات والرقابة على أداء النظام.
الشفافية والمساءلة: ضمان الشفافية في عمل الحكومة ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير أو فساد.
- الشرعية المعيارية (Normative Legitimacy) تستند إلى توافق النظام مع القيم والمعايير الثقافية والأخلاقية السائدة في المجتمع.
لم يكن أداء حماس جيدًا كنظام يدير دولة[13]، يمكن مراجعة في ذلك معدلات البطالة التي تجاوزت 70%، وتراجع الرفاهية الصحية[14] وغيرها من مؤشرات التنمية المحلية، وطبقًا للحصار فقد أدى لتوسيع فجوة اللامساواة وأثر على العدالة الاجتماعية، وكذا على مستوى الأداء الاقتصادي وتحقيق الحد الأدنى من الخدمات -الذي تحسن بعد المصالحة في 2017-، فمن ناحية الحصار الاقتصادي وحروب إسرائيل المتكررة أفقدها قدرتها الحقيقة على إدارة القطاع بشكل يسمح بتقييمها.
مما أدى لوجود احتجاجات ضد نظام الحكم في غزة تحت شعار “بدنا نعيش” 2019[15]، اتهمت حماس السلطة الفلسطينية بتأجيج المظاهرات، كما أنه اعتقد على مستوى واسع أن إسرائيل وراء هذه الاحتجاج كردة فعل على مسيرات العودة، والتي انتهت فيما بعد بتسوية بين حماس وإسرائيل بقبول الأخيرة بعودة العمالة الغزية للعمل في إسرائيل.
كان خيار حماس بصفة عامة الهيمنة على السلطة في القطاع، مما يمكنها من حماية برنامجها النضالي ضد الاحتلال، إذ لم تتصدر إلى الحكم لاستنزفت نفسها في مواجهة الأمن الوقائي في غزة، وفي تصديها له حملت كلفة الاستحقاقات المجتمعية “الباهظة” كالخدمات المدنية، بل والعدالة الاجتماعية في ظل مجتمع حربي مقاوم ذو نزعة سلطوية، مما أعطى لإسرائيل ورقة للتحكم والمساومة في كفاءتها، فأعاق قدرتها على المناورة، لكنه بصورة أساسية في حساب المكاسب والخسائر، استطاعت تطوير ترسانتها العسكرية ومراكمة القوة.
إن إسرائيل مع شركائها عمدت إلى محاولة اتخام حماس بمسؤوليتها كنظام مما يمكنها من اضعاف حاضنتها الشعبية كحركة مقاومة، وجرها إلى مربع الصدام مع مجتمعها كونها لا تقوم باستحقاقاتها كنظام كما يجب، وجرى ذلك بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية -بوابة المال الفلسطيني الرسمي-. يمكن النظر لطبيعة حماس كسلطة في غزة تدير دولة بأنه ميزة من جهة حصولها على مساحة لتأمين وجودها السياسي والعسكري كحركة مقاومة، ومن جهة أنه أثقلها في قدرتها على المناورة كحركة تحرير، إذ تناقض طبيعتها الثانية الأولى.
إلا أن الملمح الأساسي في اعتبار نشأتها حركة مقاومة لا تحرير وطني، أنها تعتمد بصورة كبيرة على محيطها العربي والإسلامي، الدولاتي وما دون الدولة، وهو ما أخذ بعين الاعتبار في ذهن المخططين لحدث طوفان الأقصى، كما أنه أفقدها قدرتها على بناء وانشاء تحالفات مع حركات نضال أممي عابر للحدود تساهم في مواجهة الامبريالية الصهيوأمريكية، لأن ذلك يتعارض مع طبيعتها كحركة مقاومة وكحركة تحرر وطني في زمن محاربة الإرهاب[16]. إلا أن هذا لا يتعارض معها كنظام يدير دولة، وهذه من المفارقات الشديدة في طبيعة حماس.
القسم الثاني: الاحتلال الإسرائيلي
أولًا: الجدار الحديدي
تعريف الاحتلال الإسرائيلي بأنه احتلال استيطاني احلالي، أي أنه يقوم على فكرة جوهرية هو نفي السكان الأصليين وإحلال محلهم بمهاجرين يهود، هذا النفي هو الغاية في ذاتها في مستوياتها الثلاث إما القتل أو الطرد أو السجن، وهي أيضًا وسيلة في بناء ما يعرف بالجدار الحديدي لزئيف جابوتنسكي.
وتقوم دعائم وجود الاحتلال الإسرائيلي من ثم “بقاءه” واستمراريته على خمسة أعمدة رئيسية تشكل جدارًا للاحتلال: (التفوق العسكري والتكنولوجي، الحالة العسكرية للمجتمع الإسرائيلي وقدرتها على حمايته، الدولة الديموقراطية التي تمنع التناقضات الداخلية من تفجير إسرائيل من الداخل، الدعم الأمريكي والغربي كدولة وظيفية، النسق العربي المهزوم)، هذه الدعائم تبرر وجوده وتستديم بقاؤه، وتم بلورته في نظريات الأمن القومي الإسرائيلي، الأول هو القدرة على الردع، والردع هنا ليس أسلوب أو وسيلة لحماية إسرائيل وإنما هو غاية في ذاتها لكي تحقق شرط وجود إسرائيل واستمرارها.
كما جاء في تنظير زئيف جابوتنسكي ببناء الجدار الحديدي[17]، هذا الجدار قائم على كسر شوكة المقاومة للشعب الأصلي والعربي، وإفقاده الأمل على مواجهة إسرائيل، حتى يقبل بالوجود الإسرائيلي على أرضه وفي إقليمه، وقد مثل جابوتنسكي تيار ما يعرف بالصهيونية التصحيحية[18] في مقابل الصهيونية العملية الذي قادها بن غوريون وحاييم وايزمان، وقد عادى ما يعرف بالصهيونية الاشتراكية، والتي انتهت بالهزيمة وانتصار الصهيونية التصحيحية التي دعت باعتبار إسرائيل وطن لليهود، وهو ما حدث في عهد نتنياهو[19].
يقول حامد ربيع[20]:
رغم أن الصهيونية منذ بدايتها ماكانت تستطيع إلا أن تكون عنصرية: فهي قومية من جانب، وهي نبتت في المجتمع الجرماني بتقاليده المعروفة ثانيًا، وهي تستمد إطارها الفكري من اليهودية بمفاهيمها حول التفوق والشعب المختار ثالثًا، رغم ذلك فإن القيم الاشتراكية كانت لا بد أن تخفف من حدة هذه العنصرية، ولكن سرعان ما جاء جابوتنسكي ليبدد هو وأنصاره هذا العنصر الملطف أو المهدئ للمبالغات. تطور الأوضاع الإسرائيلية لم يفعل سوى أن يزيد من تأكيد العنصرية وتدعيم التعصب لمفهوم التفوق، بحيث يمكن القول بأن المجتمع الإنساني لم يعرف نموذجًا للمبالغة في هذه الناحية سوى نموذج إسبرطه، مع ذلك الخلاف الجوهري الذي ينبع من طبيعة العصر الذي ينتمي إليه كلا هذين التطبيقين.

زئيف جابوتنسكي
وعلى كل إن الجدار الحديدي الذي يستدعيه نتنياهو في مسميات حروبه كـ”السيوف الحديدية”، وفي حديثه “إسرائيل من فولاذ”، له تمثلين أحدهما مادي والمقصود به كالجدار العازل بين غزة وغلافها، أو في جدار الفصل العنصري في الضفة ما هو إلا تمثلًا ماديًا ملموسًا لمفهوم الجدار الحديدي.
أما التمثل الآخر فهو جدار حالة العنف الأبدي حتى ينهزم العرب، حتى آخر نفس عربي عنده أمل بتحرير فلسطين ويعمل من أجل ذلك، توجد حقيقة لإسرائيل أنها في أرض غريبة عنها، لذا فإن صراع إسرائيل طبقًا لهذه الرؤية أبدي، لا حدود زمانية ومكانية له، خصوصًا وأن إسرائيل تفتقر لشيئين مهمين، أن اليهودية ليست دين تبشيري، فمثلًا عندما فتح المسلمين أرض العدو “الأندلس” كان لهم ميزة تفوق استدامت وجودهم هناك وهو أن الإسلام دين تبشيري، فأهل تلك البلاد ما عليهم إلا أن يسلموا ويحصلوا بعد ذلك عن امتيازات.
كما أن إسرائيل كان يمكن لها أن يطول بها المقام لو كانت ديموقراطية بشكل شامل، أي تسمح بوصول عربي إلى أعلى سلطة فيها من دون أن يهدد ذلك وجودها، أما جدارها الحديدي فإنه يحملها دائما على أن تعيش بالسيف كما جاء على لسان موشي دايان.
ثانيًا: عقيدة الأمن القومي الإسرائيلية
يقدم مقال “عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي” لجيرالد إم. شتاينبرغ (2015)[21]، الصادر عن مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية (بيسا)، الخطوط العريضة للعناصر الأساسية لهذه العقيدة. إذ يمكن إجمال تلك الأسس الجوهرية لعقيدة الأمن القومي الإسرائيلية في:
- الردع: يُعتبر غالبًا حجر الزاوية. الهدف هو منع الحروب بإقناع الخصوم المحتملين بأن تكلفة مهاجمة إسرائيل ستكون باهظة بشكل غير مقبول. فإن الردع ليس مجرد تكتيك، ولكنه تقريبًا هدف استراتيجي بحد ذاته، يهدف إلى ضمان وجود إسرائيل واستمرارها في منطقة معادية. يعتمد على الحفاظ على تفوق عسكري نوعي واضح، وإظهار الاستعداد لاستخدام القوة بشكل حاسم، وامتلاك قدرات ضربة ثانية موثوقة (على الرغم من أن إسرائيل تحافظ رسميًا على سياسة الغموض النووي).
- الإنذار المبكر: بالغ الأهمية بسبب افتقار إسرائيل إلى العمق الاستراتيجي. تؤكد العقيدة على الحاجة إلى جمع وتحليل استخباراتي قوي لتوفير إنذار مبكر كافٍ بالهجمات الوشيكة، مما يسمح بالتعبئة والعمل الوقائي إذا لزم الأمر. أدت إخفاقات الإنذار المبكر التي سبقت حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، ومؤخرًا، هجمات 7 أكتوبر، إلى عمليات إعادة تقييم كبيرة لهذا المكون.
- النصر الحاسم: في حالة الحرب، تدعو العقيدة إلى تحقيق نصر سريع وحاسم لتقليل الخسائر في الجانب الإسرائيلي ومنع الصراعات المطولة التي قد تجهد موارد الأمة وقدرتها على الصمود. غالبًا ما يُترجم هذا إلى تركيز على العمل العسكري الهجومي والهزيمة السريعة لقوات العدو في أراضيها.
- التفوق العسكري النوعي: نظرًا للعجز العددي لإسرائيل في منطقة ذات عدد سكان وجيوش أكبر، فإن الحفاظ على تفوق تكنولوجي وتكتيكي كبير أمر بالغ الأهمية. يشمل ذلك الاستثمار بكثافة في الأسلحة المتقدمة، والتكنولوجيا العسكرية، والقدرات السيبرانية، وأنظمة الاستخبارات، وتدريب أفراد ذوي مهارات عالية، وضمان تحقق هذا المبدأ في صفقات الأسلحة بين الحلفاء الغربيين ودول الجوار.
- الاعتماد على الذات: بينما تقدر إسرائيل تحالفاتها الاستراتيجية، لا سيما مع الولايات المتحدة، تؤكد العقيدة على الحاجة المطلقة إلى أن تكون إسرائيل قادرة على الدفاع عن نفسها بوسائلها الخاصة. يدفع هذا تطوير صناعة دفاعية محلية قوية والحفاظ على قوة احتياط قادرة، وبالرغم من أن إسرائيل متفوقة في الصناعة العسكرية عالية التكنولوجيا، إلا إنها لم تستطع أن تخوض حرب طويلة إلا من خلال فتح خزائن الأسلحة والذخائر الأمريكية، كما أن قوة الاحتياط “القادرة” تعاني دفعت إتجاه في جيش الاحتلال لتجنيد “الحريديدم” المعفيين من التجنيد.
- التحالفات الاستراتيجية: العلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة هي حجر الزاوية في سياسة إسرائيل الخارجية واستراتيجيتها الأمنية، حيث توفر دعمًا عسكريًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا كبيرًا. ومع ذلك، كما ذكر في الاعتماد على الذات، يُنظر إلى هذا على أنه رصيد حاسم، ولكنه ليس بديلًا عن القدرة المستقلة.
- الضربة الاستباقية: في الحالات التي يتم فيها تحديد تهديد وشيك، تضمنت عقيدة إسرائيل تاريخيًا خيار شن ضربة استباقية لتحييد التهديد قبل أن يتحقق. كان هذا عنصرًا أساسيًا في حرب الأيام الستة عام 1967. ومع ذلك، فإن استخدام الضربة الاستباقية قرار معقد وله آثار دولية كبيرة.
- العمق الدفاعي الاستراتيجي: تاريخيًا افتقرت إسرائيل إلى عمق إقليمي كبير، مما جعلها عرضة للهجمات على مراكزها السكانية وبنيتها التحتية. وفر الاستيلاء على الأراضي في حرب عام 1967 درجة من “العمق الدفاعي”، لكن الضعف الأساسي لا يزال مصدر قلق. تشمل استراتيجيات مواجهة ذلك الإنذار المبكر، والقدرات الهجومية لنقل القتال إلى أراضي العدو، القتال على أرض العدو وليس على أرضي، تعتبر تدابير دفاع مدني قوية.
- الدفاع المدني والقدرة الوطنية على الصمود: إدراكًا لحقيقة أن الحروب يمكن أن تؤثر على الجبهة الداخلية، تؤكد العقيدة على أهمية تدابير الدفاع المدني، بما في ذلك أنظمة الإنذار المبكر، والملاجئ العامة، والاستعداد للطوارئ، والحفاظ على الروح المعنوية والقدرة على الصمود على المستوى الوطني في أوقات الصراع.
الردع هنا ليس أسلوب أو وسيلة لحماية إسرائيل وإنما هو غاية في ذاتها لكي تحقق شرط وجود إسرائيل واستمرارها”، إذ أن النفاذ إلى سر هذه العقيدة بنقل المعركة إلى أرض العدو، أو إظهار هشاشة إسرائيل فتشرئب الأعناق بالأمل بإمكان هزيمتها، أو إيصال مدى هشاشة المشروع الإسرائيلي هو تهديد وجودي شامل لإسرائيل.
لذلك إن الحديث عن إمكان إسرائيل تفادي الهجوم في عملية طوفان الأقصى بشكل راشد كما كان يتوقع الأمريكان أمر ليس ضمن عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي، لأن ما فعله الطوفان هدد وجودها، وقدرتها على استقطاب الشتات اليهودي حول العالم، بل وأنها أصبحت في طور انكماش حقيقي، ما عزز في هذه اللحظة من هيمنة اليمين الذي يدفع باتجاه العيش على حد سيف.
ثالثًا: رؤيتان لإسرائيل: صراع أم تكامل؟
يبدو المشهد السياسي اليميني والعسكري والاجتماعي في إسرائيل منقسمًا حول العلاقة بأمريكا بين رؤيتين رئيسيتين:
الأولى: تنظر لها كعلاقة الجنين بالأم، أي لا حياة لإسرائيل من دون ذلك الحبل، بما يستتبع الخضوع لمنطقها المحافظ على سقف معين للصراع،
الثانية: جناح آخر يرى بوجوب الاستقلال عن القرار الأمريكي بإخضاعه لمنطقنا من دون أي ممارسة حقيقية تحجم ردة فعلها أو ترشدها.
وإن كانتا الرؤيتين متحالفتين حاليًا تحت وطأة الحرب. الرؤية الأولى يمكن تسميتها برؤية “مجتمع الهاي تك”، والتي يمثلها قطاع كبير من النخب العسكرية والعلمانية، مثل غالانت وبني غانتس. هذه الرؤية، على الرغم من تبنيها لأهداف أمنية مماثلة، إلا أنها قد تكون أكثر واقعية في تقييم التحديات الإقليمية والدولية، وأكثر انفتاحًا على حلول تكتيك قواعد الاشتباك (المتبعة منذ حرب 73) ممكنة في المستقبل، وإن كانت ضمن حدود الحفاظ على الأمن الإسرائيلي.
هذا الجناح أكثر موثوقية باللوبي الصهيوني في أمريكا. بل أن اللوبي الصهيوني الذي دعم المرشحان هاريس وترمب في الانتخابات الماضية[22]، إذ انحياز بين 63-71% لهاريس بسبب الانحياز التاريخي للديموقراطيين، وهو أحد الأسباب الرئيسية أن إدارة بايدن كانت الأكثر في دعم الإبادة مع كلفتها العالية عليها، إضافة كون هذا الجناح على خصومة سياسية مع التيار اليميني في إسرائيل والذي سيتعزز وجوده بفوز ترمب.
الرؤية الثانية يمثلها اليمين الديني القومي، بشخصيات مثل سموتريش، الذي يركز على فكرة “أرض إسرائيل الكبرى” والأمن المطلق من خلال القوة العسكرية والتوسع الاستيطاني في الضفة، وتهجير الشعب الفلسطيني. هذه الرؤية غالبًا ما تواجه عقبات منها المصالح الأمريكية في المنطقة التي تتطلب الحفاظ على مستوى معين لا يسمح بتجاوزه. هذا الجناح أقل نفاذًا للمال الصهيوني الأمريكي، بل يمكن تسميته بالجناح الأفقر في إسرائيل.
بالرغم أن نتيناهو أكل موائد النيوليبرال في الليكود، ومثل في وقت ما عنصرًا أساسيًا في التحالف بطيف مجتمع الهاي تك، فإنه اليوم يجمع بين تحالفين أساسيين الأول هم ركائز كبار رجال الأعمال في الليكود، مجتمع الصناعة والشحن والطاقة والقطاع الخدمي، مثل شلومي فوجل، مع تحالف سياسي يبدو عميقًا مع اليمين الديني القومي.
لذا سنجده يؤكد على انحيازه للرؤية الثانية باعتبار معركة السيوف الحديدية هي حرب استقلال ثانية، إنه بالطبع لا يقصد الاستقلال بالانتصار على العرب وانما الاستقلال بمعنى إخضاع الأمريكي لرغباته وغاياته من دون سقف أو تأطير أو خطوط حمراء، مع استمرار الأمريكي في تقديم المعونة والمؤنة العسكرية وامداده بحبل الناس السياسي والاقتصادي والحمائي.
يؤثر الانقسام بصورة كبيرة على مسألة الأمن القومي الإسرائيلي[23]، بل أن التصور الفلسطيني للصراع يؤثر بصورة أساسية على حدة هذا الانقسام[24]، بل يمكن اعتبار أن هذا الانقسام قد ينعكس بصورة أساسية على شكل الدولة، وممارسة العنف فيها مستقبلًا[25]، وهو ما حذر منه عدد كبير من السياسيين الإسرائيليين في الآونة الأخيرة.
القسم: الثالث طوفان الأقصى
أولًا: مساءلة عملية طوفان الأقصى
لا ينكر أحد حجم التخطيط والخداع الاستراتيجي في عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بل وقدرتها على تحقيق نجاح باهر من ناحية عسكرية في ساعتها المحدودة، إلا أن الرد الإسرائيلي وما استتبعه من عمل ابادي قد دفع البعض وعلى رأسهم مفكرين كبار في العالم العربي من التشكيك في جدوى العملية للقضية الفلسطينية.
إن الطوفان قد أعاد تشكيل التاريخ بعده تستمر لسنوات وربما لعقود، كما كانت لحظة حرب 1973 واتفاقية كامب ديفيد المصرية لحظة شكلت النسق العربي في الخمسة عقود الماضية في المنطقة. والتي ساهمت على مستوى العربي في كبح التوسعية الإسرائيلية لكنها على المستوى العالمي أدت لتراجع الاستقلال الاقتصادي للدول عالميًا[26].
من دائرة المسألة الفلسطينية، يمكن طرح السؤال التالي: هل خدمت العملية الأهداف الجوهرية للقضية الفلسطينية كما تم تحديدها في النقطتين الأولى والثانية؟ بمعنى آخر، هل قربت العملية من تحقيق حق الشعب الفلسطيني في التحرر الوطني، وعودة اللاجئين، وإطلاق سراح الأسرى، والعيش بكرامة دون حصار وتحكم؟ الإجابة على هذا السؤال ليست بسيطة وتتطلب تقييمًا دقيقًا للمكاسب والخسائر الاستراتيجية على المدى القصير والطويل. هل أدت العملية إلى تسليط ضوء أكبر على معاناة الفلسطينيين وحقوقهم المشروعة على المستوى الدولي؟ أم أنها أعطت ذريعة إضافية لقوى الاحتلال لتصعيد ممارساتها القمعية؟
على المستوى السياسي لم يكن للعملية مطلب سياسي ملموس سوى قضية الأسرى، وإن كانت حاولت الإجابة على جميع المسائل الفلسطينية دفعة واحدة، استعادة الأرض “مع عدم المحافظة عليها”، تبني شعار الأقصى في محاولة لتوحيد الصف الفلسطيني خلف المواجهة (غزة، الضفة، الشتات، الداخل)، والتأكيد على مسار حق العودة لن يأتي بالاستجداء وإنما بدخول الباب[27]، وكسر السور الحديدي “خاوة”، وكسر قيدي الحصار والحوكمة والسيطرة.
المطلب السياسي الوحيد أي المطلب القابل للتفاوض عليه كان ملف الأسرى، وبالرغم أن العملية استطاعت استنقاذ 1777 أسير فلسطيني، إلا أنه في المقابل أسر أكثر من 4250 أسير فلسطيني على إثر الطوفان[28]، كما خسرت الحركة الأسيرة جزء من كبير من الحقوق التي حصلت عليها بعد نضال دام لعقود.
هذا بالنظر إلى طبيعة حماس كحركة تحرر وطني، وقدرتها على تقديم إجابات على مسائل القضية الفلسطينية، أما على مستوى الشرعية فإنها قد أخلت بالعقد الاجتماعي بينها وبين حاضنتها الشعبية، إذ جاء الرد الإسرائيلي الابادي فوق قدرة حاضنتها على احتمال التكلفة الفائقة أكثر من 52.2 ألف شهيد، و 11.3 ألف مفقود، ومجتمع توقف تمامًا عن العمل، ولربما يتآكل “جزء” من شرعيتها إذ انهار وبشكل كامل العقد الاجتماعي بينها وبين حاضنتها.
أما على مستوى النظر لحماس وتحالفها المهيمن كنظام لدولة، فإن هجومها في 7 أكتوبر/ تشرين الأول مبرر تمامًا ويمكن تفهمه أكثر من اختزالها في طبيعتها كحركة تحرير، فغزة دولة تتعرض لحصار مجحف منذ سنين طويلة، وهو عدوان سافر لا تقبله أي دولة، بل ويمنحها شرعية حقيقة في دفع هذا العدوان سواء كان معترف بها دوليًا أم لا، نحن نتحدث هنا عن منطق الدولة لا عن هل تكتسب حماس شرعية دولية كنظام يحكم دولة “غزة”.
من منطق الدولة نجحت حماس في فرض شروطها بخصوص أسرى العدو، ووقف العدوان ولو مؤقتًا في مرحلتين خلال فترة الحرب، ونجحت في البقاء على المستوى الشعبي والمجتمعي في صراع الوجود تحت نيران حرب الإبادة، وهي انتصارات كبيرة جدًا كدولة، يظل هناك تحديان كبيران الأول في جلاء المحتل عن أرضها أي العودة إلى 6 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والثاني استحقاق سياسي واقتصادي بتعويض المجتمع الغزي وإعادة إعماره واشراكه في النظام السياسي، وإعادة الإعمار هنا بمثابة مهماتها التنموية.
هذا التحديان تخسرهما حماس كلما طال الوقت بالاحتلال داخل القطاع، سواء تحدثنا عن احتلاله كاملًا أو اقتطاع جزء منه -المنطقة العازلة-، ثم أنها تخلت عن مسار الزامها بملف إدارة القطاع، وبالتالي لا تلزم نفسها إلا بشرطي وقف الحرب والاتفاق على اطار إعادة الإعمار، أي أنها وبصورة واضحة جلية خسرت طبيعتها كنظام لدولة.
هذه النظرة العقلانية السوداوية لحدث الطوفان ليس غايتنا في هذه الورقة، لأن النظر من الزاوية المكسب المباشر لن يظلم الطوفان فحسب، لكنه سيكون عصيًا على الفهم، وبالتالي استحالة الاستئناف بعدها، أي أنها لحظة انقطاع عادت بالقضية الفلسطينية إلى 48.
ثانيًا: الفجوات الأربع[29]
إن ما فعلته حماس هو عملية “انتحارية” كاستجابة على الإجهاز على القضية الفلسطينية عربيًا، وتسرب اليأس بإمكانة مواجهة إسرائيل بندي فضلًا عن هزيمتها، إنها محاولة لصناعة الأمل، ما يمثل خرقًا لجدار جابوتنسكي/نتنياهو الحديدي، ما فعلته حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول هو اختراق كبير لجدار إسرائيل الحديدي، بتمثلاته المادية “سور غزة”، والتفوق الإسرائيلي التكنولوجي وحالة الردع باليقين بعدم القدرة على هزيمة إسرائيل.
استتبع ذلك حدث آخر “ربما” يكون نكبة الثانية أو الثالثة -باعتبار 67 الثانية- يجب رؤيتها على مستوى كلي، إذ يعد الطوفان انقلابًا حقيقيًا على كل الظروف الزمانية والمكانية التي تشكلت في جغرافيا السياسة العربية، فقد أدى الطوفان إلى أربع فجوات في جدار الاحتلال:
أولًا: النفاذ إلى قلب الأمن القومي الإسرائيلي بتهديد قدرة الردع، إذ يساهم في إفشال قدرة إسرائيل على الردع والحماية، إفشال حالة الإنذار المبكر، والردع المسبق، وإظهار هشاشتها، بل وخرق جدارها الحديدي، بأن ما كان يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول يمكن تكراره، بل وأن المعركة تنقل إلى أرض إسرائيل وليس في أرض خصمك كما كانت نظيرة الأمن القومي الإسرائيلية.
وربما هذا أخطر ما في الطوفان، أنه حقق انتصارًا كاملًا في لحظاته الأولى على نظرية الأمن القومي الإسرائيلية، وأن ما حدث يومها انتهى يومها بالانتصار.
ثم أن العدوان الإسرائيلي على غزة يمثل حدثًا آخر يمكن تقييم نتائجه بمعزل عن عملية طوفان الأقصى، بالرغم من الخسائر الفادحة على الفلسطينيين ومحور المقاومة، إلا أنه قد يعد انتصار عملياتي لإسرائيل في إعادة القضية الفلسطينية سنين إلى الوراء، إلا أنه نجاح يفتقر للأفق، إنه أفشل مسألة النصر الحاسم التي عربدت بها إسرائيل لعقود في المنطقة فها نحن أمام حرب لم تنته منذ ما يقرب العامين مع عدم الحسم في أي مستوى كلي.
ما يجعل فكرة توقف الحرب بالنسبة للجناح اليميني يعني الهزيمة، لذا فإن إعادة بناء جدار إسرائيل يجب أن يمر عبر استطاعة إسرائيل على الاحتلال والضم والتوسع، وهو هاجس نجد صداه على ألسنة العديد من سياسيين التحالف الحاكم في إسرائيل.
وأخيرًا أن هذا النصر الذي تتشدق به إسرائيل على المقاومة في غزة نصر عالي التكلفة، لا يمكن تكراره أمام سابع من أكتوبر جديدة، فقد افقدتها حرب الإبادة الاستطاعة[30] في ظل الكلفة العالية عليها وعلى حلفائها، لذا فهو هزيمة على المستوى الاستراتيجي بعيد المدى، لأنه يؤثر في استطاعة إسرائيل على الردع.
ثانيًا: النكوص عن وضع الدولة للعودة إلى الحالة الميليشياوية التي تأسست وفقها دولة الاحتلال، سيكون مدفوعًا هذا بصعود اليمين القومي، وتعبيرًا عن الانقسام الحالي بين السياسيين، ورؤيتهم للصراع واختلافهم حتى حول مسألة الأمن القومي، وهو أمر سابق على الطوفان إلا أنه زكاه.
إذ يجب أن يتمرد بصورة ما على تقييدات الدولة والتزاماتها، خصوصًا في علاقتها مع أمريكا، إذ سيحتاج تيار الديني القومي تجاوز تلك الأطر خصوصًا في الضفة والقدس، وربما تمثل هذه اللحظة ذروة إمكان طرد أكبر عدد من الفلسطينيين من أرضهم في الضفة وغزة.
ثالثًا: تراجع سردية المظلومية الإسرائيلية عالميًّا، ذلك لم يكن سببًا مباشرًا للطوفان بقدر ما كان سببًا مباشرًا لردة الفعل الإسرائيلية، هي من منحت الطوفان هذا النصر المجاني على هذا المستوى، بل أن تآكل السردية قد يحول دعم إسرائيل غير المشروط من جناحي السياسة الأمريكية (الحزب الديموقراط والجمهوري) مع الوقت إلى نزاع حزبي في الولايات المتحدة على حسب الانقسام الإسرائيلي الداخلي.
وأخيرًا بالضغط على النسق العربي المطبع مع الاحتلال، إذ أن النسق العربي كان له دور في استدامة الوجود إسرائيل بعد النكبة، ومرد ذلك لحالة الضعف العربي، وأثر الهزيمة على المستوى السياسي والاقتصادي وحتى الشرعية لهذه الأنظمة.
بعد أن تخلت مصر عن دورها بعد هزيمة 67، تشكل بعد حرب 73 وعلى يد كيسنجر ونظام السادات وضع ما يمكن تسميته مجازًا (وضع قواعد الاشتباك والتوازن) إذ أن حالة التوازن العربي الإسرائيلي مداره أمريكيًا بصورة ما، إذ مثلت إسرائيل الثقل النوعي لهذا النظام، فمصر المهزومة قادرة على بناء ترسانة من الأسلحة -ولو محدودة- في قطاعات متعددة، بعضها بمعاونة الولايات المتحدة، مع ضمان تفوق إسرائيلي.
ما أحدثه الطوفان أنه ضغط باتجاه انهيار هذه الحالة، لأن مقاومين بأسلحة محدودة استطاعوا خرق الجدار الحديدي وعمل فجوات فيه، فضلًا عن حالة الجيش المصري إن كان هناك إرادة لدى قياداته في دعم مسار المواجهة. بل أن ما أحدثه الطوفان أنه استحث الشعوب ولو بعد حين.
[1] في أعمال ميشيل فوكو خاصة في كتب مثل “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي” (Madness and Civilization) و”المراقبة والمعاقبة” (Discipline and Punish)، يوضح فوكو كيف أن السلطة لا تعمل فقط من خلال القمع المباشر أو الإصدارات السلبية (ما لا يجب فعله)، بل أيضًا من خلال آليات معقدة لـ الاستبعاد، والتصنيف، والتطبيع، والتمييز.
[2] حمادة، جميل هلال. (2001). قضية اللاجئين الفلسطينيين: الجذور القانونية والسياسية وحقوق العودة والتعويض. مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
[3] نبيل السهلي، تدويل قضية الأسرى الفلسطينيين طليعة الكفاح المسلح، مركز الأبحاث الفلسطيني.
[4] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
[5] المصدر السابق.
[6] يراجع مقال محمود هدهود (المقاومة والثورة والتحرير: رهانات السابع من أكتوبر)، إطار، المنشور بتاريخ 25/2/2025.
[7] المصدر السابق.
[8] Fanōn, Frantz. (1963). The Wretched of the Earth. Grove Press.
[9] Guevara, Che. (1961). Guerrilla Warfare. University of Nebraska Press.
على الرغم من أن كتاب “حرب العصابات” لتشي جيفارا يركز بشكل أساسي على الجوانب التكتيكية والعسكرية لحرب العصابات، إلا أنه يولي أهمية قصوى للدعم الشعبي ودوره الحيوي في نجاح أي حركة تحرر أو حرب عصابات. إليك بعض النقاط الرئيسية حول هذا الجانب في الكتاب:
- حرب الشعب: يؤكد جيفارا أن حرب العصابات هي “حرب الشعب”. بمعنى آخر، لا يمكن لحفنة صغيرة من المقاتلين تحقيق النصر بمفردهم. النجاح يتطلب انخراط وتأييد واسع من السكان المحليين.
- العلاقة مع السكان المدنيين: يشدد جيفارا على ضرورة بناء علاقة قوية وإيجابية مع السكان المدنيين في المناطق التي تنشط فيها حرب العصابات. يجب على مقاتلي حرب العصابات احترام السكان، وكسب ثقتهم، وتلبية احتياجاتهم قدر الإمكان. يعتبر جيفارا أن السكان هم مصدر الإمداد، والمعلومات، والمأوى، وحتى المجندين الجدد.
- الدعم اللوجستي والمعنوي: يوضح جيفارا أن الدعم الشعبي ليس مجرد دعم معنوي، بل يشمل أيضًا الدعم اللوجستي الحيوي. يمكن للسكان المحليين توفير الطعام، والمأوى، والمساعدة الطبية، والمعلومات الاستخباراتية التي لا تقدر بثمن لمقاتلي حرب العصابات.
- الحاضنة الشعبية: يرى جيفارا أن السكان المحليين يشكلون “حاضنة” آمنة لحركة حرب العصابات. قدرتهم على إخفاء المقاتلين، وتضليل قوات العدو، وتوفير شبكة دعم سرية أمر بالغ الأهمية لبقاء واستمرار الحركة.
- الهدف السياسي: يوضح جيفارا أن حرب العصابات ليست مجرد صراع عسكري، بل هي أيضًا صراع سياسي. كسب قلوب وعقول الشعب هو هدف استراتيجي لا يقل أهمية عن تحقيق الانتصارات العسكرية. الدعم الشعبي يضفي الشرعية على حركة التحرر ويقوض شرعية النظام القائم.
- أهمية الدعاية والتوعية: يؤكد جيفارا على أهمية الدعاية والتوعية في حشد الدعم الشعبي. يجب على حركة التحرر أن تشرح أهدافها بوضوح للسكان، وأن تكشف عن مظالم النظام القائم، وأن تقدم نفسها كبديل أفضل.
[10] Said, Edward W. (1994). Culture and Resistance. South End Press.
[11] McAdam, Doug, McCarthy, John D., & Zald, Mayer N. (1996). Comparative Perspectives on Social Movements: Political Opportunities, Mobilizing Structures, and Cultural Framings. Cambridge University Press.
[12] يمكن الرجوع إلى خطاب علي عزت بيجوفيتش إلى الشعب البوسني بعد اتفاقية دايتون.
[13] يمكن مراجعة فرض حماس لضرائب القيمة المضافة، إلى جوار الضرائب الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية، مما أدى لموجات تضخم في السلع.
https://drive.google.com/file/d/1g-Gm_mwPooVpVdDxwuD1xds-GfuVkXHq/view
[14] Zohar Lederman, Shmuel Lederman, Emily Shepp Daniels, A call from justice to support the people in Gaza,2019.
[15] يولاند نيل، احتجاجات غزة هل تختبر المظاهرات قوة قبضة حماس على القطاع، بي بي سي، 19مارس/آذار 2019
[16] أشار محمود هدهود في مقال (معضلة التحرر الوطني في عصر مكافحة الإرهاب) إلى أن النظر للقضية الفلسطينية باعتبارها صراع إثني بين اليهود والعرب، إذ يقول: “إحدى معضلات القضية الفلسطينية اليوم أنها قضية تحرر وطني في عالم لا يستوعب مفهوم التحرر الوطني”.
[17] Jabotinsky, Ze’ev. (1923). “The Iron Wall (We and the Arabs).” Revisionist Zionism.
[18] Segev, Tom. (1999). One Palestine, Complete: Jews and Arabs Under the British Mandate. Henry Holt and Company.
[19] كان والد نتنياهو سكرتيرًا لزائيف جابوتنسكي.
[20] حامد ربيع، العنصرية الصهيونية ومنطق التعامل السياسي في التقاليد الغربية، نسخة مركز الحضارة 2022.
[21] Steinberg, Gerald M. (2015). “Israel’s National Security Doctrine.” Begin-Sadat Center for Strategic Studies (BESA) Center Perspectives, (289).
[22] US Jews favored Harris over Trump, but Democrats’ edge smaller than in 2020 – analyses
[23] Lustick, Ian S. (1993). Unsettled States, Disputed Lands: Britain and Ireland, France and Algeria, Israel and the West Bank-Gaza Strip. Cornell University Press.
يقارن حالات الاحتلال الاستيطاني ويناقش كيف تؤثر الانقسامات الداخلية على استراتيجيات الأمن
[24] Rouhana, Nadim N. (2007). Palestinians in Israel: Identity in Conflict. Yale University Press.
[25] rinzak, Ehud. (1999). Brother Against Brother: Violence and Extremism in Israeli Politics from Altalena to the Rabin Assassination. Free Press.
[26] أسامة دياب، حرب أكتوبر: نهاية للكينزية وبداية للتقشف الانتقائي، موقع المنصة، نشر بتاريخ 2 أكتوبر/تشرين الأول 2022.
[27] يراجع خطاب محمد الضيف رحمه الله يوم عملية الطوفان.
[28] نادي الأسير الفلسطيني.
[29] سيف دويدار، فجوات أحدثها الطوفان في جدار الاحتلال: الطوفان والنسق العربي، منتدى العاصمة 3 يونيو/حزيران 2024.
[30] الاستطاعة أعم والقدرة أخص.

